المتابعون

الاثنين، 15 مارس، 2010

هل تموت الأيدولوجيا في زمن العولمة؟


يستخدم الإنسان بشكل متكرر أفكارًا ومفاهيم سياسية عند التعبير عن الرأي، أو إبداء وجهات النظر، والمفردات المتداولة في الخطاب العام مليئة بمصطلحات ومفاهيم سياسية كالحرية والعدل والمساواة والحقوق.
بيد أنه وبرغم كون العديد من المفاهيم والمصطلحات السياسية شائعة ودارجة، فإنها لا تستخدم بشكل دقيق أو مع إحاطة كلية وواضحة بمعانيها.
فما هي "العدالة" مثلاً ؟ وما معنى أن نقول: إن الناس سواسية؟ هل يعني ذلك أن يحصل الناس على حقوق متساوية، وفرص متساوية وتأثير سياسي متكافئ وأجور واحدة؟!
وبالمقابل فإن مفاهيم مثل: شيوعي وفاشي يساء استخدامها في وصف المخالف في الرأي، فما معنى أن نصف شخصًا بأنه "فاشي"؟ وما دلالة ذلك؟ وما هي المعتقدات والآراء التي يحملها الفاشيون، ولماذا يحملونها؟ وما الفارق الجوهري بين الشيوعيين والليبراليين والمحافظين والاشتراكيين؟
عند دراسة الأيدولوجية تثور أسئلة رئيسة منها:
أولاً: ما هو الدور الذي تلعبه الأفكار والنظريات في السياسية؟
ثانيًا: ما هي طبيعة الأنساق العقيدية التي تتطور في إطارها هذه الأفكار لتشكل أطروحات متكاملة، أي ما هي الأيدولوجيا السياسية؟
الأفكار ودورها
لا يوجد إجماع بين المفكرين السياسيين على درجة أهمية وتأثير الأفكار والأيدولوجيات، فالسياسة أحيانًا تبدو محض صراع سافر على السلطة لا شأن له بالفكر والفلسفة، وحينئذ تظهر الأفكار كمجرد شعارات دعائية وكلمات جوفاء هدفها الوحيد كَسْب أصوات انتخابية أو الحصول على دعم شعبي، وتصبح الأفكار والأيدولوجيات غطاء يستر خفايا الصراع الدائر في الحياة السياسية، وهذه النظرة للأفكار والأيدلوجية هي التي تبنَّتها المدرسة السلوكية في مجال علم النفس، والتي كان من أبرز روَّادها "جون واطسون" (1878 – 1958م) و"ب.ف. سكينر" (1904 – 1990م)، والتي نظرت للإنسان باعتباره آلة بيولوجية تستجيب لما حولها من مثيرات فحسب، وقضايا التفكير والقيم والمشاعر والنوايا كلها مسائل هامشية في تفسير الظواهر الاجتماعية أو السلوك الإنساني، وهي أيضًا الرؤية التي انطلقت منها المادية الجدلية كأحد الأشكال الحادة للماركسية، تلك المادية الجدلية التي سيطرت على مدارس العلوم الإنسانية والاجتماعية في الاتحاد السوفييتي السابق والمعسكر الشيوعي، لقد اعتبرت هذه الاتجاهات الأفكار والأيدولوجيات السياسية مجرد انعكاس للواقع والعلاقات الاقتصادية/ المادية/ وتعبير عن مصالح الطبقات التي تصوغها، الأفكار إذن في نظرهم ذات أساس مادي ومجرد تعبير طبقي، وليس لها معنى أو دلالة في ذاتها.
غير أن هناك آخرين يرون العكس تمامًا، فالاقتصادي البريطاني الشهير "جون كينز" يذهب إلى أن الذي يحكم العالم أفكار الفلاسفة السياسيين والمفكرين الاقتصاديين التي يستند إليها رجال السياسة والسلطة في ممارساتهم، حتى إن ادعوا أنهم "عمليون" لا شأن لهم بالأفكار المجردة، ففي مقابل اعتبار السلوكية والمادية الجدلية الأفكار مجرد مرآة للواقع، يؤكد رأي كينز أن الأفكار والأيدولوجيات هي مصدر الفعل الإنساني، والعالم تحكمه مجموعة أفكار نظرية وليس مجرد قوى الصراع المادي، وعلى ذلك فالرأسمالية الحديثة نبعت من الأفكار الاقتصادية الأولى لآدم سميث وديفيد ريكادرو، وآلة الشيوعية السوفييتية هي ثمرة لأفكار كارل ماركس ولينين، وتاريخ النازية في ألمانيا لا يمكن فهمه إلا في ضوء الأفكار التي نقرؤها في كتاب "كفاحي" لأدولف هتلر الذي كتبه قبل توليه السلطة.
والحق أن كلا الرأيين متحيز وغير ملائم بمفرده لفهم الحياة السياسية، فالأفكار السياسية ليست مجرد انعكاس سلبي لمصالح ضيقة أو طموحات فردية، بل تحمل قوة وقدرة على التأثير في الفعل السياسي، وبالتالي تغيير الواقع، وفي الوقت ذاته فإن الأفكار السياسية لا تنشأ في فراغ ولا تهبط من السماء كقطرات المطر، بل هي متأثرة بسياقها التاريخي والاجتماعي، وتنشأ وتتطور في إطاره، وتخدم طموحات وتوازنات سياسية قائمة.
وباختصار فإن النظريات السياسية لا تنفصل عن الممارسة السياسية، وأي دراسة متوازنة ورصينة للحياة السياسية لا بد أن ترعى التفاعل المستمر بين الأفكار والأيدولوجيات من ناحية، والقوى المادية والتاريخية من ناحية أخرى، وتؤثر الأفكار والأيدولوجيات في الحياة السياسية بطرق مختلفة، ففي المقام الأول تقدم الأيدولوجيا نسقًا نظريًّا يمكن من خلاله فهم العالم وتفسيره، فالإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل يدركه وفق تصوراته وأفكاره الذاتية ومعتقداته، وسواء كان الفرد على وعي بذلك أم لا فإن كل إنسان يتخذ له مرجعية من قيم وأفكار سياسية تحدد سلوكه وتؤثر على أفعاله، فالأفكار والأيدولوجيات إذن تضع أهدافًا كبرى هي التي تؤثر في العقل والنشاط السياسي وتوجهه، وفي هذا الصدد يتعرض السياسيون لنوعين من المؤثرات المختلفة بل والمتناقضة أحيانًا: فلا شك أن السلطة هي هدف رجل السياسة وهو ما يفرض عليه أن ينحو منحى عمليًّا، وأن يتبنى السياسات والأفكار التي تمكنه من حصد الأصوات الانتخابية وإقامة التحالفات مع الجماعات المؤثرة كرجال الأعمال والعسكريين، لكن رجل السياسة في الوقت نفسه له معتقدات وقيم وقناعات بشأن الطريقة المثلى للإدارة السياسية عندما يصل للسلطة، ويختلف شكل التوازن بين الاعتبارات الأيدولوجية والاعتبارات العملية من سياسي لآخر، ومن مرحلة لأخرى في عمر السياسي الواحد، فهتلر - على سبيل المثال - كان ملتزمًا بشكل متطرف ومتعصب لأهداف أيدولوجية معينة كان أبرز سماتها العداء لليهود والتعصب للجنس الجرماني، وتأسيس دولة ألمانية تضم شرق أوروبا، والشيوعيون الماركسيون أمثال لينين أخلصوا لهدف بناء مجتمع شيوعي لا طبقي، لكن في الوقت نفسه لا يوجد سياسي يملك أن تحجب قناعاته الأيدولوجية عينه عن تطورات الواقع ومتطلباته، ولا بد من عقد تحالفات والوصول إلى صيغ حلول وسط إذا كان يريد أن يصل إلى السلطة، ويحتفظ بها، فهتلر لم يُعادِ اليهود بدرجة واحدة من البداية للنهاية، بل حكمت سياساته اعتبارات عديدة في كل لحظة تاريخية، ولينين الشيوعي أقر عام 1921م مجموعة سياسات اقتصادية سمحت ببعث قطاع خاص هامشي في روسيا.. وهكذا.
وعلى جانب آخر نجد أن السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية - كما في غيرها من البلدان الأخرى - تشبه فيها الشخصية السياسية السلعة التجارية، فيتم "تسويق" رجل السياسة (أو امرأة السياسة) كشخص له شعارات براقة ومظهر جذاب وأهداف عملية تخدم الجماهير دون إعطاء الأفكار والأيدولوجيات أهمية تذكر، لكن نكرر ثانية أن السياسيين لا يمكن أن يكونوا مجرد آلات باحثة عن السلطة بطريقة عملية براجماتية، فأهمية الأفكار في السياسة الأمريكية لا تظهر بشكل جلي؛ لسبب بسيط هو تقارب حزب الأغلبية الديمقراطي والمحافظ في الرؤية والأهداف والقيم الليبرالية الأساسية، وبالتالي فالشعارات والتمايز يدور حول السياسات العامة والإجراءات لوجود هذا المشترك الجامع من "الأيدولوجية الأمريكية" التي تؤمن بحرية السوق وتعتنق مبادئ الدستور الأمريكي.
وتساعد الأفكار السياسية أيضًا في تشكيل طبيعة وسمت الأنظمة السياسية، تلك الأنظمة التي تتفاوت وتختلف من مكان لآخر، والتي ترتبط بقيم ومبادئ معينة، فتاريخيًّا ارتبط الحكم الملكي بمجموعة قيم ومفاهيم، أبرزها الحق الإلهي للملوك في الحكم، أما في معظم الدول الغربية المعاصرة فيتأسس نظام الحكم على المبادئ الليبرالية الديمقراطية، وتحترم هذه الدول بعض أفكار تقيد الحكومة بقيود دستورية، وتفصل بين السلطات، وتؤمن بفكرة التمثيل السياسي عبر انتخابات حرة نزيهة قائمة على المنافسة.
وبالمقابل فقد تأسست النظم الماركسية/ الشيوعية في السابق على أفكار ماركس ولينين، فسادَها حزب شيوعي أوحد يمثل الطبقة العاملة (البروليتاريا)، وحتى شكل الدولة القومية التي تمسك فيها الحكومة بزمام السلطة، وتحتكر استخدام القوة، والذي ساد في القرن العشرين كان نتاج أفكار سياسية أبرزها فكرة القومية وحق تقرير المصير.
وختامًا فإن الأفكار السياسية والأيدولوجيات تلعب دورًا مهمًّا في خلق التضامن الاجتماعي وتزود الجماعات المختلفة والمجتمع في مجمله بمجموعة معتقدات وقيم تؤدي لتماسكه، هذا رغم أن الأيدلوجيات ارتبطت في التصور العام بطبقات بعينها كارتباط الليبرالية بالطبقة الوسطى والمحافظة بالأرستقراطية الإقطاعية والاشتراكية بالطبقة العاملة، ورغم أن هذه الأيدولوجيات عكست تجارب وخبرات ومصالح فئات اجتماعية بعينها، فإنها أيضًا كانت صالحة لخلق روابط مشتركة بين الطبقات والفئات المختلفة في إطار مجتمع واحد، فعلى سبيل المثال تظل الليبرالية الديمقراطية مظلة أيدولوجيا واسعة تربط الأفراد والجماعات في الغرب، في حين تمثل مبادئ الإسلام وقيمه الرابطة الأساسية بين الأفراد والجماعات في العالم الإسلامي، وحين تسود ثقافة سياسية مشتركة في مجتمع؛ يؤدي ذلك لدعم النظام واستقرار هذا المجتمع.
وهذه الثقافة السياسية المشتركة ليست جامدة، بل هي تتطور وتنمو داخل أي جماعة، لكنها أيضًا قد يتم فرضها من السلطة الأعلى التي تسعى لغرض الطاعة، وتتحكم في الضبط الاجتماعي؛ ولذا فقد تختلف قيم ومفاهيم وأيدولوجيا النخب الحاكمة من عسكريين أو طبقة إقطاعية أو رأسمالية صناعية عن قيم ومفاهيم غالبية الشعب، وقد تستخدم النخبة الحاكمة أدوات الأيدولوجيا لقمع المعارضة، وتحجيم النقاش والجدل الفكري عبر عملية سيطرة أيدولوجية، ويبدو هذا جليًّا في التجارب التي سادت فيها أيدولوجية رسمية معلنة كما في الحكم النازي في ألمانيا أو الحكم الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق، وفي هذين النموذجين كانت المعتقدات السياسية الرسمية هي التي تسود الحياة السياسية وكافة جوانب الحياة الاجتماعية من تعليم وفنون وإعلام، وكانت الآراء والقيم المعارضة يتم قمعها ومصادرتها. ويرى البعض أن هناك نوعًا من السيطرة الأيدولوجية المستترة يسود بشكل أو آخر في كل المجتمعات، وحتى في المجتمعات الغربية فإن الأيدولوجيا السائدة هي تلك التي تخدم مصالح الطبقة الاقتصادية المسيطرة.
ما هي الأيدولوجيا؟
كثيرًا ما يخلط البعض بين دراسة الأيدولوجية ودراسة الأيدولوجيات، فدراسة الأيدولوجية هي دراسة لنوع من أنواع الفكر السياسي تمييزًا له عن الفلسفة السياسية أو العلوم السياسية، وهو تحليل طبيعة ودور وأهمية هذا النوع أو التصنيف من الفكر السياسي، ويناقش ما هي الأفكار والأطروحات التي ينطبق عليها وصف "أيدولوجيا"، وهل اعتناق الأيدولوجيا يؤدي لعملية تحرر أم عبودية للفكرة؟ وهل يمكن تقويم الأيدولوجيات وفق منطق الخطأ والصواب؟.. وهكذا.
وبالنسبة للأيدولوجيات المختلفة: هل يمكن تصنيف الاتجاه المحافظ والأفكار القومية كأيدلوجيات تكافئ الليبرالية والاشتراكية؟
هذه هي الأسئلة التي تنشغل بها دراسة الأيدولوجيا كنسق من الأفكار والافتراضات والمبادئ يسعى لتقديم إجابات كلية، ويوظف معتنقه طاقته في تحقيقه في الواقع.
أما دراسة الأيدولوجيات - في المقابل - فهي دراسة مضمون الفكر السياسي والنظريات والأفكار التي قدمتها كل أيدولوجية والمقارنة بينها، فما هي الحرية في الفكر الليبرالي؟ ولماذا كانت المساواة هي الفكرة المحورية في الاشتراكية؟ وكيف يدافع الأناركيون عن فكرة مجتمع بلا دولة؟ ولماذا اعتبر الفاشيون الصراع والحروب ظواهر صحية؟
أي أن دراسة الأيدولوجيا هي دراسة في نشأة وتطور واعتناق وتطبيق وديناميكية الأفكار، في حين أن دراسة الأيدلوجيات هي تناول أفكار بعينها وتتبع تطورها ومقارنتها بغيرها.
ولا شك أن البحث في هذا المجال يجب أن يبدأ بدراسة الأيدولوجيا كنسق فكري فاعل والاتفاق على خصائص المنظومة الفكرية التي ينطبق عليها وصف أيدولوجية، حتى إذا ما تم الاتفاق على معايير التصنيف وقبلنا أن هذا النسق أو ذاك هو بالفعل أيدولوجيا، ننطلق إلى دراسة الأيدلوجيات المتباينة وتحليلها والمقارنة بينها.
وهناك سؤال أخير مهام أيضًا.. هو ما الذي نتعلمه أو نستفيده من كون الليبرالية أو النسوية أو الفاشية تصنف باعتبارها أيدولوجيات، وما دلالة هذا للبحث والفهم والتفسير.
سلبية أم إيجابية؟
أول مشكلة تواجه الباحث في طبيعة الأيدولوجيا وماهيتها هي تعدد التعريفات لهذا المصطلح بشكل كبير وأحيانًا متناقض، فهي تُعَدُّ أكثر المفاهيم مراوغة وإثارة للحيرة في مجال العلوم الاجتماعية برمته.
فالأيدولوجيا من المفاهيم السياسية القليلة التي أثارت هذا القدر من الجدل والخلاف، وهناك سببان لذلك، أولاً: لأن المفهوم يجمع جوانب نظرية وعملية ويطرح إشكالية العلاقة بين الفكر والعقيدة من ناحية والسلوك من ناحية أخرى، وكذلك العلاقة بين المعطيات المادية والإدارة السياسية.
وثانيًا: لأن تعريف الأيدولوجيا ذاته لم ينجُ من النزاع بين الأيدلوجيات ذاتها في تعريف المفهوم وملامحه وأبعاده وتشابكاته النظرية والعملية، فقد استخدم المفهوم من جانب الأيدولوجيات المختلفة كسلاح في مواجهة خصومها، ونقد أفكارهم إما باتهامها أنها أيدلوجيات مثالية لا صلة لها بالواقع، أو العكس: باتهامها أنها مجرد أفكار متناثرة لا تشكل أيدولوجيا متكاملة صالحة للتطبيق الشامل لتغيير الواقع أو إصلاحه بشكل كلي.
ولم يكتسب مفهوم الأيدولوجيا طبيعة موضوعية ومحايدة في تحليل الأفكار إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، وحتى مع هذه المحاولة لضبطه وإكسابه طبيعة تحليلية رصينة، فقد استمر الخلاف حول الأهمية الاجتماعية والدور السياسي للأيدولوجيا. وتُعَدُّ أكثر التعريفات شيوعًا للأيدلوجية هي أنها..
- نسق عقيدي سياسي
- مجموعة من الأفكار السياسية ذات توجه عملي/ تطبيقي.
- أفكار الطبقة الحاكمة.
- رؤية فئة اجتماعية أو طبقة للعالم.
- أفكار سياسية تعبِّر عن مصالح اجتماعية وطبقية.
- أفكار دعائية توظف لتزييف الوعي بين المستغلين والمضطهدين.
- أفكار تضع الفرد في سياقه الاجتماعي وتدعم الشعور بالانتماء والهوية الجمعية.
- مجموعة من الأفكار يدعمها النظام السياسي بشكل رسمي ويستمد منها شرعيته.
- مذهب سياسي شامل يدعي احتكار الحقيقة.
- منظومة نظرية مجردة ومتماسكة من الأفكار السياسية.
وربما كان أصل المصطلح هو من الأمور القليلة المتفق عليها، فكلمة أيدولوجية بدأ استخدامها إبان الثورة الفرنسية على يد "أنطوان ديستوت دوتراسي" (1754 – 1836م)، واستخدمت لأول مرة بشكل علني عام 1796م، وقد عرف "دوتراسي" الأيدلوجية بأنها علم جديد للأفكار، أي تعريف مرتبط بمعناها الحرفي:
فالشق الأول للكلمة هو مقابل الأفكار idea والثاني مقابل العلم ology.
وقد كان دوتراسي متأثرًا بالولع السائد حينئذ بفكرة العقلانية التي كانت في أوجها مع صعود مذهب الحداثة، ورأى أنه من الممكن موضوعيًّا اكتشاف جذور الأفكار ونشأتها وأن "علم الأفكار" هذا سيتطور؛ ليأخذ مكانه جنبًا إلى جنب مع العلوم المنضبطة كالأحياء والطب وغيرها، بل ولأن كل طرق البحث تتأسس على الأفكار؛ فإن علم الأفكار الجديد هذا سوف يصبح تاج العلوم.
ورغم هذا التقدير للأفكار عند نشأة استخدام مصطلح الأيدولوجيا وعلو الآمال التي كانت معقودة عليه، فإن هذا الفهم والتصور للأيدولوجيا يختلف عن تعريفاتها وتصوراتها اللاحقة وما آلت إليه.
وقد حاول التمييز بين مفهوم جزئي ومفهوم شامل للأيدولوجية، فالأيدولوجيات الجزئية هي أفكار ومعتقدات أفراد بعينهم أو جماعات أو أحزاب، في حين أن الأيدولوجيات الشاملة هي مجمل الرؤية للحياة والعالم لطبقة اجتماعية أو لمجتمع أو لحقبة تاريخية معينة.
وبهذا المعنى فإن الماركسية والليبرالية بل والصحوة الإسلامية يمكن وضعها جميعًا بأنها أيدلوجيات شاملة.
وقد أدى هذا إلى عودة الاستخدام الضيق ذي الدلالة السلبية لمفهوم الأيدلوجية كما يبرز في كتابات "كارل بوبر" (1902 - 1994)، و"هانا أرندت" (1906 - 1975) و"جي . إل. تالمون" و"برنارد كريك" ومنظري (نهاية الأيدلوجية)، والذين رأوا أن الأفكار الشاملة بالضرورة شمولية، فالفاشية والشيوعية مثالان بارزان للأيدولوجية بمعناها القمعي المعادي للحرية، وطبقًا لهذه الكتابات فإن الأيدولوجية هي أنظمة فكرية مغلقة تزعم احتكار الحقيقة وترفض قبول الأفكار المخالفة والعقائد الأخرى، فالأيدولوجية حسب وصفهم هي أديان وضعية تملك طبيعة الشمول، وتستخدم كأدوات في الضبط الاجتماعي، وضمان الخضوع والتواؤم مع السائد، لكن وفقًا لهذا المعيار فإنه ليست كل العقائد السياسية يصلح وصفها بالأيدولوجية، فالليبرالية بتأسسها على الالتزام بالحرية والتسامح والتعدد هي أبرز مثال على وجود نظام مفتوح للأفكار في نظر مفكر مثل "كارل بوبر".
المحافظون أيضا رأوا الأيدولوجية كقرين الجمود والتحجر الفكري وأنها منفصلة عن الواقع المركب للحياة؛ لذا فقد رفض المحافظون أن تخضع السياسة للأيدلوجية، وأن يكون هدف العمل السياسي هو إعادة تشكيل العالم بناءً على أفكار مجردة أو نظريات مسبقة، وقد ظلت هذه هي رؤية المحافظين، حتى بدأ تأثير اليسار الجديد يغير بعضًا منها بعد أن ظلوا لفترة طويلة يتبنون الموقف التقليدي الذي يرفض الأيدولوجيا لصالح السعي العملي في الممارسة السياسية، ويرى في الخبرة والتاريخ – وليس النظرية والفلسفة – أفضل مرشد للسلوك الإنساني.
ومنذ الستينيات من القرن العشرين عاد استخدام مفهوم الأيدلوجية وفق احتياجات التحليل الاجتماعي والسياسي، وتم إعادة تشكيله ليعود للمفهوم طبيعته المحايدة الموضوعية بعد أن زالت الارتباطات السلبية بينه وبين توجهات الأنظمة أو سياسات بعينها.
العلاقة بين الأيدولوجية والحقيقة:
ما هي العلاقة بين الأيدولوجية والحقيقة، وبأي معنى يمكن النظر للأيدولوجية كنوع من القوة؟
يثير أي تعريف قصير مختصر للأيدولوجية من الأسئلة بأكثر مما يقدم من إجابات، لكنه يمثل على أية حال بداية جيدة للبحث في الموضوع.
فلنقبل مبدئيًّا أن الأيدولوجية تعريفها الواسع هي أنها مجموعة من الأفكار المتجانسة بدرجة أو أخرى والتي تمثل الأساسي لحركة سياسية منظمة، سواء أكان هدفها المحافظة على نظام القوى السائد، أو تعديله، أو الإطاحة به.
ولذا فإن كل الأيدولوجيات: (أ) تقدم تصورًا للنظام القائم وعادة ما يتم هذا في صورة رؤية للعالم. (ب) تقدم نموذجًا للمستقبل المنشود أو المجتمع الأفضل/ الصالح. (ج) تصور كيف يمكن أن يتم التغيير.
وهذا التعريف ليس جديدًا ولا مستحدثًا، وهو يتفق مع الاستخدام الاجتماعي العلمي للمفهوم، إلا أنه يلفت الانتباه في الوقت نفسه لبعض أبرز خصائص ظاهرة الأيدولوجية، ويؤكد بخاصة على أن تركيب مفهوم الأيدولوجية يرجع إلى كون المفهوم يتجاوز الحدود الفاصلة بين الفكر الوصفي والفكر المثالي القيمي، وبين النظرية السياسية والممارسة العملية، فالأيدولوجية باختصار تقوم بنوعين من التركيب أو التأليف: التأليف بين الفهم والالتزام، وبين الفكر والحركة.
وبالنسبة للمركب الأول فإن الأيدولوجية تتخطى الفاصل بين "ما هو كائن" و "ما ينبغي أن يكون"، فالأيدلوجية وصفية؛ لأنها تزود الأفراد والجماعات بخريطة فكرية توضح كيف تدور آلة المجتمع، وكذلك تزوِّدهم برؤية للحياة والعالم، وبذا تلعب الأيدولوجية دورًا مهمًّا في دمج الأفراد والجماعات - عبر هذا الفهم - في بيئة اجتماعية ما.
لكن هذا الفهم الوصفي مقترن بقوة بنسق من القيم العقيدية والرؤى العلاجية التي بها يتم تقويم الترتيبات الاجتماعية القائمة وطبيعة المستقبل، والصورة المنشودة للمجتمع في المستقبل.
الأيدولوجية لذا لديها آثار نفسية/عاطفية قوية، فهي وسيلة للتعبير عن الآمال والمخاوف، والميول والنفور، كما أنها تقوم ببلورة العقائد والرؤى، والتعبير عنها بوضوح.
ونظرًا لارتباط الطبيعة الوضعية بالطبيعة الاستشراقية للأيدولوجية فإن الحقائق في ظل الأيدلوجية تختلط بالقيم، ويترتب على هذا عدم وجود فواصل واضحة بين الأيدلوجية والعلم؛ لذا فإنه من المفيد التعامل مع الأيدولوجيات باعتبارها أنساقًا معرفية كما صاغ هذا الاصطلاح "توماس كوون" في كتابه الشهير "بنية الثورات العلمية" (1962م)، فالأيدولوجية يمكن النظر إليها باعتبارها منظومة مبادئ ومذاهب ونظريات تساعد على ضبط بنية عملية البحث العلمي.
وفي الواقع فإن الأيدولوجية تشكل إطارًا يمكن داخله لعملية البحث عن المعرفة السياسية أن تتم وهي تقدم لغة للخطاب السياسي.
والمثال البارز في هذا الصدد هو أن العلوم السياسية عند تدريسها في المجال الأكاديمي - وكذلك علم الاقتصاد - تستند إلى افتراضات المذهب الفردي والمذهب العقلاني، وهما يرتبطان بالتراث الليبرالي.
وتبرز أهمية الأيدولوجية أيضًا كإطار فكري أو لغة سياسية في كونها توضح بجلاء درجة العمق التي يتشكل عبرها الفهم الإنساني.
كذلك من المفيد إلى جانب مقارنة الأيدولوجيات تأمل كيف تتنوع الاختلافات داخل الأيدولوجية الواحدة، فالأفكار متغيرة وتنمو وتتطور، وليست أحجارًا صماء لبناء صلب، وأحيانًا يكون التجادل والنزاع بين تيارات الأيدولوجية الواحدة أكثر حدة ومرارة منها بين أنصار أيدولوجيات مختلفة، ويصبح مركز الخلاف هو ما هي الأيدلوجية "الحقيقية"؟
وأي فريق يمثلها؟ ما هي الاشتراكية "الحقيقية" وما هي الليبرالية "الحقيقية" أو الفوضوية "الحقيقية"؟ ومما يزيد الأمر اختلاطاً وبلبلة أن كل الفرقاء داخل ذات الأيدولوجية أو عبر الأيدولوجيات المختلفة يستخدمون نفس المفاهيم والخطاب ويدافعون، كل من وجهة نظره، عن الحرية والعدالة والديمقراطية والمساواة – وفقاً لتعريفهم هم. وهذا هو ما دفع بعض المفكرين لوصف الأيدولوجية بأنها من المفاهيم الأساسية المتنازع عليها؛ لأن حوله خلاف عميق ولا يمكن بالتالي تطوير تعريف دقيق له.
ورغم ذلك فلا شك أنه لا بد من وجود حد أدنى من الاتفاق والتجانس وحدًّا لمرونة والتنوع، ولا بد من أن توجد نقطة يصبح فيها ترك مبدأ جوهري أو اعتناق نظرية مرفوضة من الأيدولوجية تاريخيًّا بمثابة فقدان للملامح الأساسية للأيدولوجية أو ربما ذوبانها في أيدولوجية منافسة، وهو ما يحدث تاريخيًّا أحياناً.
فهل يمكن أن تظل الليبرالية هي الليبرالية إذا تخلت عن التزامها بالفردية؟ وهل تبقي الاشتراكية هي الاشتراكية إذا نزعت إلى العنف والحرب؟ أو تظل أيدولوجية الحركات الإسلامية "إسلاموية" – كما يسميها البعض قياساً على الأيدلوجيات الأخرى – إذا تنازلت عن تحكيم الشريعة مثلاً؟!
أحد سبل التعامل مع هذه المشكلة هو ما يقترحه مايكل فريدان من تحديد لتشكل الأيدولوجية وبنيتها ومكوناتها وذلك من خلال مفاهيمها الأساسية، ويشبه ذلك التعرف على غرف المنزل من خلال نوع الأثاث في كل غرفة، فكل أيدولوجية تتسم بما يعتبر لب أو جوهر يتكون من عدة مفاهيم أساسية، ثم مفاهيم هامة، وأخيراً مفاهيم هامشية لا يلزم وجودها في النظرية أو المذهب بالضرورة كي يصنف داخل هذه الأيدولوجية.
فانتقاص مكوِّن من مكوناتها قد لا يعني أنها لم تَعُد هي ذاتها، كما أن الزمن يحمل معه مستحدثات وإضافات.
وعلى سبيل المثال يمكن اعتبار الفردية والحرية والعقلانية هي جوهر المفاهيم الأساسية في الليبرالية؛ وغياب أحدها لا ينقص من مشروعية مذهب من المذاهب الليبرالية، لكن غياب مفهومين منهما هو إرهاصة بنشوء بنية أيدلوجية جديدة.
ولكن ماذا يفيدنا ما سبق في فهم العلاقة بين الأيدولوجية والحقيقة؟
فبالنسبة لماركس كانت الأيدولوجية – كما سلف الذكر – هي العدو اللدود للحقيقة، والباطل هو قرين الأيدولوجية؛ لأن الأخيرة هي من صنع الطبقة الحاكمة لتقر واقع الاستغلال والقهر.
ولكن – كما ذهب مانهايم – فإن قبول رأي ماركس بأن الطبقة العاملة (البروليتاريا) لا تحتاج لوهم الأيدولوجية هو في الحقيقة قبول بتصور بالغ المثالية للجماهير العاملة كأكثر فئات البشر التزامًا بالمساواة، ولكن ما قدمه مانهايم من تصور لحل هذه الإشكالية بوجود طبقة مستقلة من المثقفين لم يحل الإشكالية بدوره.
فوجهات نظر البشر تتأثر بشكل واعٍ أو غير واع بعوامل اجتماعية وثقافية، وفي حين يعطي التعليم الإنسان أدوات تمكنه من الدفاع عن هذه الرؤى بطلاقة وقدرة على الإقناع بها، ولكن هذا لا يعني أن وجهات نظر المثقف تكون أقل ذاتية أو أكثر موضوعية من غيرها من الأفكار.
وفي الواقع فإنه لا يوجد معيار موضوعي يمكن بناء عليه اختبار حقيقة الأيدولوجية، بل إن الزعم بأن الأيدولوجية تحتمل الخطأ أو الصواب المطلق، يتعارض مع جوهر الأيدولوجيات وهي أنها مزيج من القيم والأحلام والتطلعات، وأنها بحكم طبيعتها لا يمكن إخضاعها للتحليل العملي، فلا يمكن لأحد أن "يثبت" أن أية نظرية للعدالة هي أفضل من غيرها بالضبط، كما لا يمكن استخدام الوسيلة الجراحية على الإنسان للتأكد – بشكل نهائي وحاسم – من كونه أهل للحرية أو أنه يملك حقوقاً أساسية أو أنه بطبيعته أناني أو اجتماعي!
ففي نهاية الأمر يقل اعتناق الفرد للأيدولوجية أحياناً؛ لأنها ليست دقيقة ولا يمكن إخضاعها للتحليل المنطقي، ولكن على الجانب الآخر قد يزيد تمسك الفرد بها؛ لأنها تعين الأفراد والجماعات والمجتمعات على إعطاء المعنى وفهم العالم الذي يعيشون فيه.
ورغم ما سلف فإن الأيدولوجيات ولا شك تتضمن كشفاً عن حقيقة، ويمكن وصفها بأنها منظومات للحقيقة من خلال ما تزودنا به من لغة خطاب سياسي ومسلمات وافتراضات حول حقيقة المجتمع وما يجب أن يكون عليه، فالأيدولوجية تحدد كيف نفكر وكيف نتصرف، ولا ينفصل تصورها للحقيقة عن مسألة السلطة، ففي عالم يموج بالحقائق المتعارضة والقيم والنظريات المتباينة، فإن كل أيدولوجية تسعى لإعطاء الأولوية لقيم بعينها وتضفي الشرعية على نظريات ومعاني محددة.
ولأن الأيدولوجية تزوِّدنا بخريطة فكرية للواقع الاجتماعي فإنها تساعد في تأسيس علاقة بين الأفراد والجماعات من ناحية، وأبنية وعلاقات القوة والسلطة من ناحية أخرى، وبذلك تلعب دوراً محوريًّا في دعم أبنية السلطة القائمة وتحديد ما إذا كان يمكن اعتبارها عادلة، وطبيعية ومشروعة، أو العكس من ذلك بتسليط الضوء على المظالم وعدم المساواة ولفت الانتباه لضرورة صياغة رؤى لأبنية بديلة للسلطة.
موت الأيدولوجيا
هل ماتت الأيدولوجيا ؟ هل شهدت ذروتها مع الحرب الباردة، ثم مع انهيار المعسكر الشرقي انتصرت الليبرالية وانتهى التاريخ (كما ذهب فوكوياما) وانتهت الأيدولوجيا؟
كان هذا مذهب العديد من المفكرين، مثلما كان رأيهم في انكسار الدين مع الحداثة والتحديث، ولكن كما كانت الصحوة الدينية عبر العقائد المختلفة في كل أنحاء العالم دليلاً على أن الدين والتدين مرتبط بالإنسان ككائن حي اجتماعي/ ثقافي مركب وأنه لا يموت، كذلك تدلنا الشواهد على أن الأيدولوجيات لا تموت؛ لأنها أفكار حول العدالة والحرية وتطلع الإنسان لها عبر مذاهب سياسية شتى، وهذا التطلع لا يموت.



هبة رءوف عزت


كلية الاقتصاد وعلوم سياسية / جامعة القاهرة


الأربعاء، 10 مارس، 2010

جوتة وديوان الشرق والغرب


في مايو 1814، ظهرت أولى إصدارات "ديوان الغرب والشرق"؛ ذلك العمل الذي ترسخ وتجذر كلية في الوعي الإسلامي، في محيطه، وفي إدراكاته. لم يكن لهذا لعمل أن يتشكل أو يتكون أو يخرج إلى النور بدون علاقة "جوته" الإيجابية والمتفتحة تجاه الإسلام، التي بدأت منذ صباه، والتي تجلت في أشعاره، وأخيراً التي انبنت على أساس واسع ومتوسع من العلم والمعرفة. وقد أفصحت هذه العلاقة عن نفسها – في سابقة فريدة من نوعها – حينما كتب "جوته" أحد تعليقاته على "ديوان الغرب والشرق" في عام 1816 قائلا:ً "إن مؤلف هذا العمل لا ينفي الفكرة بأن يكون هو ذاته مسلماً". وهي مقولة استفزت معظم الألمان الذين كانوا يعيشون في بلدته، في ذلك الوقت.


ولنفتح سوياً "ديوان الغرب والشرق"، لنرى أول ما واجهنا به "جوته" عن نظرته للعالم والكون:

الشمال والغرب والجنوب سيتمزع
العروش تسقط، والممالك ترتعد
اهرب أنت إلى المشرق النقي
لتتذوق نسمات الدين

ولنلاحظ هنا، أن الافتتاحية "الروحانية" التي بدأ بها "جوته" ديوانه – والتي تتحدث عن الأصالة الدينية في الشرق النقي – تندرج تحت عنوان "الهجرة" (كما ذكرنا سالفاً)، أي ترتبط ببدء هجرة النبي "محمد" إلى المدينة في عام 622 ميلادياً؛ وهو عام تأسيس الدولة الإسلامية، كما هو عام تدشين التاريخ الإسلامي. وكذلك ترتبط الافتتاحية – كما قلنا في السابق – بحادثة "عيد الميلاد"، وهي الليلة التي يُحتفل بها أيضاً بتأسيس عهد جديد في الديانة المسيحية، حيث ميلاد المسيح. وهو أيضاً اليوم الذي شهد أول صلاة جمعة للبشكيك في القاعة البروتستانتية بولاية "فايمر".

ومن المفارقات العجيبة، أن يترعرع "جوته" وأن يتربى في وسط جو أسري بروتستانتي؛ فقد ربته أم شديدة التمسك بالإنجيل، ومن ثم احتسب نفسه من ضمن الجماعات البروتستانتية، المعروفة بتمكنها من معرفة الخط المقدس. وقد يصف "جوته" نشأة المسيحي المتمسك بالإنجيل في "ديوان الغرب والشرق"، فيقول: "إنه ملزم بتلقي تعليم عال لأن عقله مشغول على الدوام بكل ما هو عزيز وكريم". إن التقاء الإسلام مع المسيحية – كما صوره "جوته" في ديوانه – يعبر عن رغبة الشاعر في عبور التناقضات العدائية بين الديانتين؛ وجمع هذين العالمين الروحيين تحت مظلة السلام، أو قل تحت برنامج السلام.




وكذلك يتحدث "جوته" – من واقع تجربته كمسيحي متدين – عن المشاعر الأخوية التي كان يحملها للشاعر الفارسي "شمس الدين حافظ"، وهو المعروف بلقب "حافظ"، ذلك اللقب الشرفي الذي عكس حفظه للقرآن كله، ومن ثم دل على إخلاصه الشديد للإسلام. وقد يفاجأ القارئ هنا بتلك المشاعر، لأن "حافظ" كان يعيش في القرن الرابع عشر الميلادي؛ بلغة أخرى، لقد مات منذ زمن بعيد، أي قرابة أربعة قرون قبل ميلاد "جوته". وبالرغم من ذلك، نجد الأخير يؤلف عنه "كتاب حافظ" – من ضمن كتب "ديوان الغرب والشرق" - الذي تخيل فيه حواراً كاملاً بينه وبين ذلك الشاعر الفارسي. بل إن "جوته" وصفه بكونه "توأم" له. فهل هناك قرابة أشد التصاقاً من قرابة التوائم؟ أليس هذا عجيباً..؟ أن يشعر "جوته" بتلك الأخوة غير العادية – أخوة التوائم – تجاه إنسان مات قبله بأربعة قرون؟ أليس هذا لافتاً للانتباه، ومثيراً للدهشة...أن يحمل "جوته" كل هذه المحبة لإنسان كان بعيداً عنه كل البعد؛ بعد زماني، وبعد مكاني، وبعد لغوي، وأيضاً بعد تقاليدي. باختصار، لقد كتب "جوته" "كتاب حافظ" ليُري القارئ إلى أي مدى يمكن أن تصل حميمية العلاقة بين المسلم والمسيحي. وديوان "جوته" – وكلمة (ديوان) تعني هنا جمع البشر – لم يقتصر فقط على "التوائم" بل امتد ليشمل حوارات متعددة الأشكال بين الغرب والشرق.



وهنا يأتي أمامنا عدد غير قليل من الشخصيات الشرقية: النبي "محمد"، شاه "عباس الكبير"، "تيمور الفاتح"، السلطان "سليم"، الشعراء "حافظ"، "الفردوسي"، "المتنبي"، "حاتم الطائي"، وغيرهم. في "ديوان الغرب والشرق"، يعطي هؤلاء آراءهم، مثلما تعطيها الشخصيات غير المعروفة، ابتداء من الجواهرجي والتاجر في البازار إلى الشحاذ. ويمكن القول أن الديوان – بكتبه الإثنى عشر – كان حافلاً بنماذج كثيرة وبأمثلة عديدة عن كيفية وإمكانية الحوار بين الغرب والشرق.

هذه الثقة الناضجة والمثقفة في تصورات الشرق ومعتقداته، التي أبرزها "جوته" في "ديوان الغرب والشرق"، لم يكن لها أن تظهر بدون ثقة مؤلفها فيما يكتب، وبدون إدراكه العميق لما يكتب. فكيف كان لل"ديوان" أن يظهر في الأفق، إذا لم يكن مؤلفه نفسه يتحدث بلسان الواثق المدرك بما يقول؟ بلغة أخرى، لم يكن يتسنى ل"جوته" أن يضبط تعامله مع المسائل الدينية، وأن يتحرك بثقة وبنضج بين الجد والهزل، بدون جمعه بين اليقين والإدراك. وكذلك، فإن عدم ظهور أي "نشاز" في "الديوان" كان مرجعه أساساً إلى تقديره العالي والمتميز للإسلام. ولنتذكر سوياً تلك الأشعار، التي أشار فيها "جوته" إلى "القرآن المقدس"؛ ولنقرأ معاً هذه الأبيات:

عما إذا كان القرآن أبدياً؟
فهذا لا أسأل عنه...
عما إذا كان هو كتاب الكتب
فأنا أؤمن بذلك بدافع كوني مسلم

الكثير من أبيات "الديوان" تعتمد – كما ذكرنا سالفاً – على القرآن؛ فبعض الأشعار تتشكل في نصفها الأول مما ذكره القرآن، وتتشكل في نصفها الآخر من أبيات "جوته" التي كان يُلحمها بأبيات القرآن. فعلى سبيل المثال، نجد في "كتاب المغنيين" أبياتاً أوصلها "جوته" بالسورة الأولى من القرآن (الفاتحة)، وتحديداً بالآية السادسة التي تقول: {اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّين }. فتقول الأبيات:

المخبولون يريدون إضلالي
ولكنك تعلم إني لا أريد الضلال
إذا تاجرت.. أو ألفت
إمنحني الصواب في طريقي

لقد استخدم "جوته" كلمة "الهدى" التي وصفها المسلمون – منذ زمن بعيد – ب"الشريعة"؛ أي الصراط المستقيم؛ وهذا هو المعنى الحقيقي لكلمة "شريعة"، التي أعيد تفسيرها مؤخراً من قبل الإسلام السياسي. ونجد في مقطع رباعي آخر نفس المزج بين آيات القرآن وبين أبيات "جوته"، معطياً دليلاً آخر عن المزج "الغربي الشرقي"؛ فها هي أبيات تلقي الضوء على السورة الثانية من القرآن (البقرة)، وتحديداً على الآية الكريمة: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ }.

لله المشرق
لله المغرب
لله أراضي الشمال والجنوب
تسكن كلها في سلام يديه

ومن هذه المقولة "الغربي الشرقي" – التي آمن بها "جوته" إيماناً عميقاً – استطاع الشاعر الألماني أن يُخرج مخطوطتين عربيتين، أظهر فيهما جمال الخط العربي؛ ذلك الخط الذي أبهره، فأكن له في نفسه منزلة عظيمة. ونحن اليوم، ندرك جيداً أن تحفز "جوته" لكتابة تلك الأبيات إنما كان ينبع – أولاً وأخيراً - من تأثره بالقرآن. وقد تعلم "جوته" الاقتباس من القرآن، واستخدامه في الشعر، من "جوزيف فون هامار" صاحب كتب "أسرار الشرق المدفونة"، التي قال في مطلعها:

{قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(سورة البقرة)

إن "هامار" – الذي كان له دور كبير في إخراج الخط الشرقي القديم – استخدم اقتباسات القرآن ليضعها في كتبه الستة حول "أسرار الشرق المدفونة" التي ظهرت فيما بين 1809 و1818. بل إن كلمة "القرآن" قد تم وضعها من قبل "هامار" على الصفحة الأمامية – صفحة العنوان – التي تندرج تحتها الكتب الستة، والتي لابد أن تكون قد جذبت انتباه "جوته" منذ الوهلة الأولى. وقد ذكر "جوته" "أسرار الشرق المدفونة" لأول مرة – في مذكراته – في يوم 12 ديسمبر 1814.




قد كانت قناعة "جوته" بالمزيج "الغربي الشرقي" مترسخة في عقله، وفي وجدانه لدرجة أنه كان يكتب لأصدقائه الكاثوليك المتزمتين، ومنهم "بواسيريه" و"لافاتير" الذي أشرنا إليه سالفاً. فكان – على سبيل المثال – يكتب إليهما قائلاً: "أنه يومياً يتم قراءة (هومير) و(حافظ)". وبالرغم من أن هذا الكلام لم يكن يروق للصديقين الكاثوليكين المتزمتين، إلا أن "جوته" لم يكن ليعاملهما إلا بكل رفق وبشاشة؛ فأعطى لنا مثلاً حياً عن العقلية الليبرالية المتفتحة مع الشعوب والديانات الأخرى؛ أو كما نقول اليوم العقلية "العالمية" و"التعددية الثقافية".

ولم يعبأ "جوته" فقط بالشرق والغرب، وإنما عبأ أيضاً بالشمال والجنوب؛ فها هو يقول: "وكذلك الشمال مثل الجنوب لم يخف عن عينه أبداً". إن إصرار "جوته" على ذكر الجهات السماوية الأربعة في مقولته الشهيرة "لله المشرق" كان نابعاً – في الأصل – من إيمانه المتجذر في أعماقه بوحدة الخلق الإلهي؛ ومن ثم حرص "جوته" على توضيح هذه الحقيقة، وإبرازها للجميع. وفي هذا الصدد اكتشف شاعرنا الألماني رابطاً آخر بين الشرق والغرب، حيث ربط بين مقولة القرآن {ولله المشرق والمغرب} وبين رمز المسيحية في الغرب – وهو الصليب – إذ تخيل خطوط الشرق والغرب في تعارضها مع خطوط الشمال والجنوب في صورة صليب.




كذلك تصور العالم وكأنه كرة أرضية تسكن في يد الإله؛ ورمز الكرة الأرضية مترسخ في العقلية المسيحية؛ فإذا ما قسمت من قبل الخط الذي يربط بين الشرق والغرب (أو من قبل الصليب الذي يتخيله) فإنها تصير نصف دائرة، التي تمثل - مرة ثانية - علامة الهلال..رمز الإسلام. باختصار، لقد كان يرى المسيحية والإسلام كوحدة واحدة لا يفصلها شيء. وبالرغم من أن عديداً من اللوحات والصور – في القرون الوسطى – كانت تعكس توافق الدائرة مع الصليب، كرمز مسيحي للعالم، فقد كان يراه "جوته" رمزاً للوحدة.

طبعاً، لا يمكن الافتراض بأن "جوته" كان يعلم كل ذلك عند لحظة اكتشافه للقرآن؛ فالتعرف على الأجنبي مثل التعرف على الذات..تعرف طويل وشاق، تتدافع فيه آلاف المسائل مع بعضها البعض بقوة البرق؛ إلا أنه ما من شك، أن تعرف "جوته" على نفسه قد تم تلقائياً عند قراءته للقرآن؛ فكانت مقولة {لله المشرق والمغرب} هي رمز أعماله وكتاباته.

وكان مما لفت انتباه "جوته" – وكتب عنه في "ديوان الغرب والشرق" – تقليد الأحجبة الشرقية الذي أفرد له عنواناً في "الديوان". لقد تعامل مع تلك الأحجبة، واستقى معلومات حولها من الكتابات الموجودة في "أسرار الشرق المدفونة"؛ فوصفها على أنها "وريقة مكتوب عليها دائماً أدعية مخلصة ومؤمنة". وبعدها عرف أن المسلمين يهتمون بتعليقها على أجسادهم (حول العنق، أو الذراع، أو الرأس)، كنوع من الحرز ضد جميع وشتى أصناف الآلام ( هذا التقليد ليس له أي أصل في القرآن أو السنة). كان مفتوناً بذلك التقليد الشرقي العجيب الذي كان يضع وسيلة سحرية للعلاج على وريقة صغيرة. اقتنع بهذه الأحجبة، إلا أنه كان يرى – في النهاية – الحجاب الحقيقي متمثلاً في "الكلمة الطيبة" وفي "التوازن الروحي"، وأن السلام لا يتحقق إلا عند الله.





كان لل"شمال" موقع خاص في منظور "جوته" الذي ينتمي في نهاية الأمر إلى بلاده ألمانيا التي تقع في الشمال. وكما يحدث في داخل قشرة البندق، صور لنا "جوته" مسيرته الروحية، وكيف تمددت وتطورت، وكيف خرجت إلى العالم بعد احتكاكها بالشرق؛ فكانت النتيجة توصله إلى حقيقة مفادها أن الشرق والغرب قطبان يتدرجان سوياً في داخل الكون؛ وأن السلام والأمان يتواجدان عند الله مالك المشرق والمغرب. لقد اعترف شخصياً – من خلال "كتاب الأحجبة" – بأنه بالرغم من كل الآلام والشكوك التي كانت تحاصره وتفاجئه، إلا أنه استطاع العثور – في وسط كل هذا الضنك – على سلام جديد، وجده عند الإله؛ وهو الهدف الذي وضعه أمام عينيه، والذي طالما تجلى في "ديوان الغرب والشرق"، ثم بعد ذلك في "كتاب الجنة".

ولكن هل فعلاً كان "الشمال" و"الجنوب" يسكنان بسلام في قلب "جوته" وفي خلده؟ الحقيقة هي، أننا دائماً نميل إلى التحدث عن "جوته" وعن "تطوره الظاهري" بدون الالتفات إلى أعماقه، التي كانت حافلة بالصراعات والسجالات بين "الشمال" و"الجنوب"؛ بين "جوته الشمالي الألماني" وبين "جوته الجنوبي الكلاسيكي". كان يرى المسافة بين صباه وشبابه وبين تحوله إلى سن النضج والعقل؛ كان يدركها بقوة؛ وقد عكس كتابه "فاوست" في عام 1797 هذا الأمر بمنتهى الوضوح؛ كما عكس حقيقة أن هذه المسافة لا يمكن عبورها إلا من خلال الأزمات والهزات القوية. ومن ثم، فإننا لا يمكننا القول أو الافتراض بأن "الشمال" و"الجنوب" كانا يخلدان في سلام وأمان..في داخل نفسه.

فحتى لحظة كتابته ل"ديوان الغرب والشرق" كانا المفهومان يتعاركان في داخل عقله وقلبه..ويضربان بعضهما البعض بمنتهى القوة. في البداية، كان يذم "الشمال"، إلا أنه بعد اكتشافه للشرق، توازن وانضبط لديه الأمر، وتعادلت عنده المسألة، التي كان من آثارها المباشرة توجهه غير المتوقع نحو الرسامين الفطاحل في هولندا والدانمارك والسويد، الذين وصفهم من ضمن رحلته في نهري "الراين" و"الماين"، في الوقت الذي كان يحتفظ فيه بديوان "حافظ" في حقيبته. لقد ارتأى "جوته" الحقيقة؛ فوضع التضاد في قالب واحد، جاعلاً التناغم والانسجام أساس العلاقة بينهما؛ فوضع الفن "الشمالي" مع نظيره "الجنوبي" على نفس الخط. باختصار، لقد حول نفسه تجاه قانون القطبية والتدرج.

بقلم - كاترينا مومسين ترجمة - شرين حامد فهمى