المتابعون

الأربعاء، 10 مارس، 2010

جوتة وديوان الشرق والغرب


في مايو 1814، ظهرت أولى إصدارات "ديوان الغرب والشرق"؛ ذلك العمل الذي ترسخ وتجذر كلية في الوعي الإسلامي، في محيطه، وفي إدراكاته. لم يكن لهذا لعمل أن يتشكل أو يتكون أو يخرج إلى النور بدون علاقة "جوته" الإيجابية والمتفتحة تجاه الإسلام، التي بدأت منذ صباه، والتي تجلت في أشعاره، وأخيراً التي انبنت على أساس واسع ومتوسع من العلم والمعرفة. وقد أفصحت هذه العلاقة عن نفسها – في سابقة فريدة من نوعها – حينما كتب "جوته" أحد تعليقاته على "ديوان الغرب والشرق" في عام 1816 قائلا:ً "إن مؤلف هذا العمل لا ينفي الفكرة بأن يكون هو ذاته مسلماً". وهي مقولة استفزت معظم الألمان الذين كانوا يعيشون في بلدته، في ذلك الوقت.


ولنفتح سوياً "ديوان الغرب والشرق"، لنرى أول ما واجهنا به "جوته" عن نظرته للعالم والكون:

الشمال والغرب والجنوب سيتمزع
العروش تسقط، والممالك ترتعد
اهرب أنت إلى المشرق النقي
لتتذوق نسمات الدين

ولنلاحظ هنا، أن الافتتاحية "الروحانية" التي بدأ بها "جوته" ديوانه – والتي تتحدث عن الأصالة الدينية في الشرق النقي – تندرج تحت عنوان "الهجرة" (كما ذكرنا سالفاً)، أي ترتبط ببدء هجرة النبي "محمد" إلى المدينة في عام 622 ميلادياً؛ وهو عام تأسيس الدولة الإسلامية، كما هو عام تدشين التاريخ الإسلامي. وكذلك ترتبط الافتتاحية – كما قلنا في السابق – بحادثة "عيد الميلاد"، وهي الليلة التي يُحتفل بها أيضاً بتأسيس عهد جديد في الديانة المسيحية، حيث ميلاد المسيح. وهو أيضاً اليوم الذي شهد أول صلاة جمعة للبشكيك في القاعة البروتستانتية بولاية "فايمر".

ومن المفارقات العجيبة، أن يترعرع "جوته" وأن يتربى في وسط جو أسري بروتستانتي؛ فقد ربته أم شديدة التمسك بالإنجيل، ومن ثم احتسب نفسه من ضمن الجماعات البروتستانتية، المعروفة بتمكنها من معرفة الخط المقدس. وقد يصف "جوته" نشأة المسيحي المتمسك بالإنجيل في "ديوان الغرب والشرق"، فيقول: "إنه ملزم بتلقي تعليم عال لأن عقله مشغول على الدوام بكل ما هو عزيز وكريم". إن التقاء الإسلام مع المسيحية – كما صوره "جوته" في ديوانه – يعبر عن رغبة الشاعر في عبور التناقضات العدائية بين الديانتين؛ وجمع هذين العالمين الروحيين تحت مظلة السلام، أو قل تحت برنامج السلام.




وكذلك يتحدث "جوته" – من واقع تجربته كمسيحي متدين – عن المشاعر الأخوية التي كان يحملها للشاعر الفارسي "شمس الدين حافظ"، وهو المعروف بلقب "حافظ"، ذلك اللقب الشرفي الذي عكس حفظه للقرآن كله، ومن ثم دل على إخلاصه الشديد للإسلام. وقد يفاجأ القارئ هنا بتلك المشاعر، لأن "حافظ" كان يعيش في القرن الرابع عشر الميلادي؛ بلغة أخرى، لقد مات منذ زمن بعيد، أي قرابة أربعة قرون قبل ميلاد "جوته". وبالرغم من ذلك، نجد الأخير يؤلف عنه "كتاب حافظ" – من ضمن كتب "ديوان الغرب والشرق" - الذي تخيل فيه حواراً كاملاً بينه وبين ذلك الشاعر الفارسي. بل إن "جوته" وصفه بكونه "توأم" له. فهل هناك قرابة أشد التصاقاً من قرابة التوائم؟ أليس هذا عجيباً..؟ أن يشعر "جوته" بتلك الأخوة غير العادية – أخوة التوائم – تجاه إنسان مات قبله بأربعة قرون؟ أليس هذا لافتاً للانتباه، ومثيراً للدهشة...أن يحمل "جوته" كل هذه المحبة لإنسان كان بعيداً عنه كل البعد؛ بعد زماني، وبعد مكاني، وبعد لغوي، وأيضاً بعد تقاليدي. باختصار، لقد كتب "جوته" "كتاب حافظ" ليُري القارئ إلى أي مدى يمكن أن تصل حميمية العلاقة بين المسلم والمسيحي. وديوان "جوته" – وكلمة (ديوان) تعني هنا جمع البشر – لم يقتصر فقط على "التوائم" بل امتد ليشمل حوارات متعددة الأشكال بين الغرب والشرق.



وهنا يأتي أمامنا عدد غير قليل من الشخصيات الشرقية: النبي "محمد"، شاه "عباس الكبير"، "تيمور الفاتح"، السلطان "سليم"، الشعراء "حافظ"، "الفردوسي"، "المتنبي"، "حاتم الطائي"، وغيرهم. في "ديوان الغرب والشرق"، يعطي هؤلاء آراءهم، مثلما تعطيها الشخصيات غير المعروفة، ابتداء من الجواهرجي والتاجر في البازار إلى الشحاذ. ويمكن القول أن الديوان – بكتبه الإثنى عشر – كان حافلاً بنماذج كثيرة وبأمثلة عديدة عن كيفية وإمكانية الحوار بين الغرب والشرق.

هذه الثقة الناضجة والمثقفة في تصورات الشرق ومعتقداته، التي أبرزها "جوته" في "ديوان الغرب والشرق"، لم يكن لها أن تظهر بدون ثقة مؤلفها فيما يكتب، وبدون إدراكه العميق لما يكتب. فكيف كان لل"ديوان" أن يظهر في الأفق، إذا لم يكن مؤلفه نفسه يتحدث بلسان الواثق المدرك بما يقول؟ بلغة أخرى، لم يكن يتسنى ل"جوته" أن يضبط تعامله مع المسائل الدينية، وأن يتحرك بثقة وبنضج بين الجد والهزل، بدون جمعه بين اليقين والإدراك. وكذلك، فإن عدم ظهور أي "نشاز" في "الديوان" كان مرجعه أساساً إلى تقديره العالي والمتميز للإسلام. ولنتذكر سوياً تلك الأشعار، التي أشار فيها "جوته" إلى "القرآن المقدس"؛ ولنقرأ معاً هذه الأبيات:

عما إذا كان القرآن أبدياً؟
فهذا لا أسأل عنه...
عما إذا كان هو كتاب الكتب
فأنا أؤمن بذلك بدافع كوني مسلم

الكثير من أبيات "الديوان" تعتمد – كما ذكرنا سالفاً – على القرآن؛ فبعض الأشعار تتشكل في نصفها الأول مما ذكره القرآن، وتتشكل في نصفها الآخر من أبيات "جوته" التي كان يُلحمها بأبيات القرآن. فعلى سبيل المثال، نجد في "كتاب المغنيين" أبياتاً أوصلها "جوته" بالسورة الأولى من القرآن (الفاتحة)، وتحديداً بالآية السادسة التي تقول: {اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّين }. فتقول الأبيات:

المخبولون يريدون إضلالي
ولكنك تعلم إني لا أريد الضلال
إذا تاجرت.. أو ألفت
إمنحني الصواب في طريقي

لقد استخدم "جوته" كلمة "الهدى" التي وصفها المسلمون – منذ زمن بعيد – ب"الشريعة"؛ أي الصراط المستقيم؛ وهذا هو المعنى الحقيقي لكلمة "شريعة"، التي أعيد تفسيرها مؤخراً من قبل الإسلام السياسي. ونجد في مقطع رباعي آخر نفس المزج بين آيات القرآن وبين أبيات "جوته"، معطياً دليلاً آخر عن المزج "الغربي الشرقي"؛ فها هي أبيات تلقي الضوء على السورة الثانية من القرآن (البقرة)، وتحديداً على الآية الكريمة: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ }.

لله المشرق
لله المغرب
لله أراضي الشمال والجنوب
تسكن كلها في سلام يديه

ومن هذه المقولة "الغربي الشرقي" – التي آمن بها "جوته" إيماناً عميقاً – استطاع الشاعر الألماني أن يُخرج مخطوطتين عربيتين، أظهر فيهما جمال الخط العربي؛ ذلك الخط الذي أبهره، فأكن له في نفسه منزلة عظيمة. ونحن اليوم، ندرك جيداً أن تحفز "جوته" لكتابة تلك الأبيات إنما كان ينبع – أولاً وأخيراً - من تأثره بالقرآن. وقد تعلم "جوته" الاقتباس من القرآن، واستخدامه في الشعر، من "جوزيف فون هامار" صاحب كتب "أسرار الشرق المدفونة"، التي قال في مطلعها:

{قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(سورة البقرة)

إن "هامار" – الذي كان له دور كبير في إخراج الخط الشرقي القديم – استخدم اقتباسات القرآن ليضعها في كتبه الستة حول "أسرار الشرق المدفونة" التي ظهرت فيما بين 1809 و1818. بل إن كلمة "القرآن" قد تم وضعها من قبل "هامار" على الصفحة الأمامية – صفحة العنوان – التي تندرج تحتها الكتب الستة، والتي لابد أن تكون قد جذبت انتباه "جوته" منذ الوهلة الأولى. وقد ذكر "جوته" "أسرار الشرق المدفونة" لأول مرة – في مذكراته – في يوم 12 ديسمبر 1814.




قد كانت قناعة "جوته" بالمزيج "الغربي الشرقي" مترسخة في عقله، وفي وجدانه لدرجة أنه كان يكتب لأصدقائه الكاثوليك المتزمتين، ومنهم "بواسيريه" و"لافاتير" الذي أشرنا إليه سالفاً. فكان – على سبيل المثال – يكتب إليهما قائلاً: "أنه يومياً يتم قراءة (هومير) و(حافظ)". وبالرغم من أن هذا الكلام لم يكن يروق للصديقين الكاثوليكين المتزمتين، إلا أن "جوته" لم يكن ليعاملهما إلا بكل رفق وبشاشة؛ فأعطى لنا مثلاً حياً عن العقلية الليبرالية المتفتحة مع الشعوب والديانات الأخرى؛ أو كما نقول اليوم العقلية "العالمية" و"التعددية الثقافية".

ولم يعبأ "جوته" فقط بالشرق والغرب، وإنما عبأ أيضاً بالشمال والجنوب؛ فها هو يقول: "وكذلك الشمال مثل الجنوب لم يخف عن عينه أبداً". إن إصرار "جوته" على ذكر الجهات السماوية الأربعة في مقولته الشهيرة "لله المشرق" كان نابعاً – في الأصل – من إيمانه المتجذر في أعماقه بوحدة الخلق الإلهي؛ ومن ثم حرص "جوته" على توضيح هذه الحقيقة، وإبرازها للجميع. وفي هذا الصدد اكتشف شاعرنا الألماني رابطاً آخر بين الشرق والغرب، حيث ربط بين مقولة القرآن {ولله المشرق والمغرب} وبين رمز المسيحية في الغرب – وهو الصليب – إذ تخيل خطوط الشرق والغرب في تعارضها مع خطوط الشمال والجنوب في صورة صليب.




كذلك تصور العالم وكأنه كرة أرضية تسكن في يد الإله؛ ورمز الكرة الأرضية مترسخ في العقلية المسيحية؛ فإذا ما قسمت من قبل الخط الذي يربط بين الشرق والغرب (أو من قبل الصليب الذي يتخيله) فإنها تصير نصف دائرة، التي تمثل - مرة ثانية - علامة الهلال..رمز الإسلام. باختصار، لقد كان يرى المسيحية والإسلام كوحدة واحدة لا يفصلها شيء. وبالرغم من أن عديداً من اللوحات والصور – في القرون الوسطى – كانت تعكس توافق الدائرة مع الصليب، كرمز مسيحي للعالم، فقد كان يراه "جوته" رمزاً للوحدة.

طبعاً، لا يمكن الافتراض بأن "جوته" كان يعلم كل ذلك عند لحظة اكتشافه للقرآن؛ فالتعرف على الأجنبي مثل التعرف على الذات..تعرف طويل وشاق، تتدافع فيه آلاف المسائل مع بعضها البعض بقوة البرق؛ إلا أنه ما من شك، أن تعرف "جوته" على نفسه قد تم تلقائياً عند قراءته للقرآن؛ فكانت مقولة {لله المشرق والمغرب} هي رمز أعماله وكتاباته.

وكان مما لفت انتباه "جوته" – وكتب عنه في "ديوان الغرب والشرق" – تقليد الأحجبة الشرقية الذي أفرد له عنواناً في "الديوان". لقد تعامل مع تلك الأحجبة، واستقى معلومات حولها من الكتابات الموجودة في "أسرار الشرق المدفونة"؛ فوصفها على أنها "وريقة مكتوب عليها دائماً أدعية مخلصة ومؤمنة". وبعدها عرف أن المسلمين يهتمون بتعليقها على أجسادهم (حول العنق، أو الذراع، أو الرأس)، كنوع من الحرز ضد جميع وشتى أصناف الآلام ( هذا التقليد ليس له أي أصل في القرآن أو السنة). كان مفتوناً بذلك التقليد الشرقي العجيب الذي كان يضع وسيلة سحرية للعلاج على وريقة صغيرة. اقتنع بهذه الأحجبة، إلا أنه كان يرى – في النهاية – الحجاب الحقيقي متمثلاً في "الكلمة الطيبة" وفي "التوازن الروحي"، وأن السلام لا يتحقق إلا عند الله.





كان لل"شمال" موقع خاص في منظور "جوته" الذي ينتمي في نهاية الأمر إلى بلاده ألمانيا التي تقع في الشمال. وكما يحدث في داخل قشرة البندق، صور لنا "جوته" مسيرته الروحية، وكيف تمددت وتطورت، وكيف خرجت إلى العالم بعد احتكاكها بالشرق؛ فكانت النتيجة توصله إلى حقيقة مفادها أن الشرق والغرب قطبان يتدرجان سوياً في داخل الكون؛ وأن السلام والأمان يتواجدان عند الله مالك المشرق والمغرب. لقد اعترف شخصياً – من خلال "كتاب الأحجبة" – بأنه بالرغم من كل الآلام والشكوك التي كانت تحاصره وتفاجئه، إلا أنه استطاع العثور – في وسط كل هذا الضنك – على سلام جديد، وجده عند الإله؛ وهو الهدف الذي وضعه أمام عينيه، والذي طالما تجلى في "ديوان الغرب والشرق"، ثم بعد ذلك في "كتاب الجنة".

ولكن هل فعلاً كان "الشمال" و"الجنوب" يسكنان بسلام في قلب "جوته" وفي خلده؟ الحقيقة هي، أننا دائماً نميل إلى التحدث عن "جوته" وعن "تطوره الظاهري" بدون الالتفات إلى أعماقه، التي كانت حافلة بالصراعات والسجالات بين "الشمال" و"الجنوب"؛ بين "جوته الشمالي الألماني" وبين "جوته الجنوبي الكلاسيكي". كان يرى المسافة بين صباه وشبابه وبين تحوله إلى سن النضج والعقل؛ كان يدركها بقوة؛ وقد عكس كتابه "فاوست" في عام 1797 هذا الأمر بمنتهى الوضوح؛ كما عكس حقيقة أن هذه المسافة لا يمكن عبورها إلا من خلال الأزمات والهزات القوية. ومن ثم، فإننا لا يمكننا القول أو الافتراض بأن "الشمال" و"الجنوب" كانا يخلدان في سلام وأمان..في داخل نفسه.

فحتى لحظة كتابته ل"ديوان الغرب والشرق" كانا المفهومان يتعاركان في داخل عقله وقلبه..ويضربان بعضهما البعض بمنتهى القوة. في البداية، كان يذم "الشمال"، إلا أنه بعد اكتشافه للشرق، توازن وانضبط لديه الأمر، وتعادلت عنده المسألة، التي كان من آثارها المباشرة توجهه غير المتوقع نحو الرسامين الفطاحل في هولندا والدانمارك والسويد، الذين وصفهم من ضمن رحلته في نهري "الراين" و"الماين"، في الوقت الذي كان يحتفظ فيه بديوان "حافظ" في حقيبته. لقد ارتأى "جوته" الحقيقة؛ فوضع التضاد في قالب واحد، جاعلاً التناغم والانسجام أساس العلاقة بينهما؛ فوضع الفن "الشمالي" مع نظيره "الجنوبي" على نفس الخط. باختصار، لقد حول نفسه تجاه قانون القطبية والتدرج.

بقلم - كاترينا مومسين ترجمة - شرين حامد فهمى

هناك 4 تعليقات:

  1. بوست مفيد

    ميرسى امير

    على المعلومات

    تحياتى

    ردحذف
  2. معلومات قيمه جدا ياامير

    في الحقيقه انا سمعت اشاعات كثيرة عن جوته

    ولكن انا لم اعلم انها اشاعات الا حين قرات

    هذا البوست الجميل

    وفقكم الله

    ردحذف
  3. ايه الجمال ده يا امير
    بجد بوست ممتع

    تحياتى لك وتقديرى

    ردحذف
  4. الملكة هند

    ماجد

    sal

    اشكركم على المتابعة

    تحياتى ليكم

    ردحذف