المتابعون

السبت، 3 أبريل، 2010

تحول البطل.. من مفتول العضلات إلى مواطن عادي *



لا بد من وجود البطل.. فهو حاجة اجتماعية وثقافية؛ وما يؤكد ذلك هو أن الثقافات التي يشحُّ واقعها بالأبطال الحقيقيين تلجأ إلى اختراعهم جملة وتفصيلاً. فمن ليس عنده عنترة العبسي، يمكنه أن يخترع «سوبرمان».. وعلى الرغم من الفوارق التي لا تعد ولا تحصى ما بين هذين البطلين أو كل الأبطال المنتمين إلى نوعيهما، فإن وظيفة البطل واحدة: ملء فراغ لا يمكن لغيره أن يملأه في ثقافة المجتمع، أي مجتمع، ونظرته إلى نفسه.

ويرتبط البطل في الوعي الجمعي للناس بجملة صفات إيجابية، عاش بعضها قروناً طويلة من الزمن، وتبدَّل بعضها في العصر الحديث بفعل التغيرات الجذرية التي طرأت على حياة المجتمعات أينما كان في العالم بعد الثورة الصناعية، وبشكل خاص خلال القرن العشرين.

ولكن، وبشكل عام، تبقى صفات البطل كامنة في قدرته الخارقة على إنجاز ما لا يستطيع أي كان إنجازه. إنه الشخص المستعد لمواجهة الصعاب حتى حدود التضحية بالنفس من أجل مصالح مجتمعه، أو من أجل الدفاع عن قيمه ومعتقداته، التي غالباً ما تكون منحازة إلى مصالح غالبية الناس من حوله.. فينظر إليه هؤلاء على أنه حاميهم والمدافع القوي عن الآخرين، بعبارة أخرى، على أنه منقذهم.




صورة تحظي بالاجماع

وتشكَّل البطولة طليعة المفاهيم التي تبدأ بالتغلغل في عقل الإنسان منذ طفولته، من خلال قراءاته الأولى لكتب الحكايات، أو حتى منذ قدرته على فهم معانيها وهو يسمعها من ذويه يتلونها عليه قبل النوم. ومهما تقلب مفهوم البطولة في عقل الإنسان عندما يكبر، فإنه يبقي على جوهره التربوي من خلال مجموعة صفات حميدة أبرزها درء اليأس ما أمكن أمام الصعاب، والإيثار الضروري لحسن الحياة في المجتمع.

من النادر أن يكون مجتمع ما قد عرف أبطاله حقيقة عن قرب، أو حتى أن يكون قد عاش في عصر هذا البطل. فالوجدان الشعبي لا يبدو مكترثاً بالحقيقة التاريخية للبطل بقدر ما هو مهتم بصورة هذا البطل كما صاغها الأدب أو الفن، فجردها من عيوبها الإنسانية الصغيرة، وجمَّل ما أمكن تجميله من صفات هذا البطل. ولذا يبدو انبهار الإنسان (وحتى المجتمع ككل) ببطل معيَّن، هو أقرب إلى أن يكون تعبيراً عن تطلعات وأمنيات، منه إلى تكريم البطل الحقيقي لإنجازاته العظيمة. وكأن المطلوب من البطل أن يكون صورة تحظى بالإجماع على احترامها، ويجب على المجتمع أن يرتقي إلى مستواها في مواجهة تحدياته.

يعرِّف قاموس «وبستر» البطل على أنه «شخص أسطوري خرافي، يكون غالباً ذا صفات استثنائية، ويتمتع بقوى أو قدرات خارقة، وهو مقاتل لا يُقهر ويتحلَّى بخصال نبيلة وشجاعة نادرة». كان يمكن لمثل هذا التحديد أن يكون قابلاً للمناقشة لو أنه ظهر في أثينا أيام حربها مع طروادة، أما اليوم، فإننا نقف أمام مفاهيم للبطولة لا تعد ولا تحصى، بدأت بالظهور في أزمنة ساحقة لم يؤرخ لها بدقة، وظلَّت تتقلب حتى يومنا هذا.





الإغريق وتأسيس البطل

يربط الكثيرون نشأة مفهوم البطولة بالحضارة الإغريقية. ولكن هذا الربط ليس دقيقاً تماماً ولا يمكن تبريره إلا بكثرة ما وصلنا من الأدب اليوناني الذي يروي سير أبطال تلك الحضارة، بيغماليون، أخيل، هوراسيو، هيكتور، هرقل.. وغيرهم. ولكن الواقع أن كل الحضارات القديمة مجَّدت أبطالها الأقوياء. فلو دققنا قليلاً في الرسوم الفرعونية والآشورية، لوجدنا ملوكها وفراعنتها يمارسون أعمالاً لا يقوى عليها إلا الأبطال.

ففي مشاهد الصيد مثلاً، نرى الفرعون المصري أو الملك الآشوري يصطاد الأسود بالرمح خلال اشتباك معها، وليس عن بعد، وهذا ما لا يجرؤ أي كان علي القيام به. وحتى في ما يخص المجتمعات الأولى العائدة إلى ما قبل هذه الحضارات، يؤكد علماء الأنثربولوجيا أن قيادة العائلات والقبائل كانت للأقوى، الأقدر في الدفاع عنها، وفي الإتيان إليها بأكبر كمية من طرائد الصيد.

إن الجديد الذي طرأ على البطولة في حضارة الإغريق، كان اكتساح مفهوم البطولة للأدب برمته. فالإلياذة والأويسة والمؤلفات المسرحية اليونانية كلها تقريباً، تدور حول البطولات وسِير الأبطال. وفي هذا الأدب، تأسس المفهوم الأولي للبطل ومقاييسه الذي ظل قائماً في أوروبا حتى القرن التاسع عشر.
إنه الرجل المفتول العضلات، القادر على استخدام السيف بمهارة لا مثيل لها عند أعدائه، وهو الذكي، الشهم، الذي لا يعرف الخوف، يعيش بطولته في كل يوم من أيام عمره، ومآثره سلسلة طويلة من الأعمال المهيبة والمثيرة للإعجاب..

ولكن ليس من الدقة في شيء القول بفضل الأدب اليوناني على ظهور المفاهيم المشابهة للبطولة في ثقافات وحضارات أخرى، ولا حتى على الأرجح، على استمراره في أوروبا حتى القرن التاسع عشر.

فكيف نفسر ظهور أبطال مشابهين إلى حد بعيد لأبطال اليونان القديمة في ثقافات لم تدرس هذا الأدب، مثل عنترة العبسي والزير سالم وسيف بن ذي يزن وغيرهم ممن عُرف عنهم أولاً قوة الساعد ومهارته في استخدام السيف إلى جانب باقة الخصال الحميدة وعلى رأسها الشهامة والترفع عن الصغائر والفخر بالذات وما إلى هنالك؟



من رحم التحديات

إن ما دفع بالقوة الجسدية لأن تكون المقياس الأول للبطولة هو طبيعة التحديات التي واجهتها المجتمعات، وأخطرها على مصيرها كانت الحروب. ولأنه حتى رواج الأسلحة النارية (القاتلة عن بعد)، كان السلاح الأبيض هو أداة القتال الرئيسة، فإن القدرة على استخدامه بمهارة كانت مسألة حياة أو موت لهذه المجتمعات، فمجدت تلك النخبة من المقاتلين الأشداء أكثر من غيرهم، أيما تمجيد، ورفعتهم إلى مرتبة تسمو على التراتبيات العسكرية المتعارف عليها، وسمتهم "الأبطال".

ولأن التحديات العسكرية لم تكن الوحيدة التي تشكِّل خطراً على الناس والمجتمعات، بل كانت هناك الطبيعة بغضبها وضواريها ومشقات سبلها، كان على البطل أن يجمع إلى قوته الجسمية، الذهن المتوقد ذكاءً، الضروري أصلاً لمحاربة الأعداء أيضاً. فالبطل كإنسان مكون من عقل وجسم. أي لا يمكن تقطيعه إلى كتلة عضلات ضخمة يعلوها عقل خامل. إنه إنسان يكرس حياته وأفعاله للدفاع عن القيم التي يؤمن بها أو يسعى إلى نشرها. ولذا، عليه أن يتحلى بهذه القيم، وهذا يتطلب منه أن يكون مفكراً. ومهما طغت براعة وروعة الجوانب الجسمانية والحركية في حياة البطل أو قصته، إلا أن عليه، ليكون بطلاً حقيقياً أن يكون «مفكراً» بالمعنى العملي، كما أن عليه بصفته مثلاً أعلى، أن يتحلى بأهم الصفات الحميدة كما يحددها المجتمع الذي ينتمي إليه. فهل بالسيف فقط حقق أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ما حققوه في ميادين القتال، أم أيضاً بمجموعة القيم الفكرية والأخلاقية الإسلامية التي كانوا يدافعون عنها؟

إن البراعة والقوة في استخدام السيف تتلازم مع الولاء للسلطة السياسية عند البطل الإغريقي أخيل في إلياذة هوميروس، تماماً كما هو الحال عند الفارس دارتاينان في رواية الأديب الفرنسي ألكسندر دوماس «الفرسان الثلاثة» التي ظهرت في القرن الرابع عشر، تماماً كما تتلاءم القوة مع الحب الرقيق والمخلص في سيرة عنترة بن شداد والبطل المتخيل جملة وتفصيلاً «سبايدرمان» كما شاهدناها على شاشات التلفزيون مؤخراً.



بين الصورة والحقيقة

لو قيل لنا من دون كثرة تفاصيل إن أقوى دولة على وجه الأرض أجمعت شعباً وحكومة على اعتبار أحد أبنائها بطلاً قومياً، واحتفت به بصفته هذه، لتخيلنا (حتى اليوم أيضاً بفعل الكثير المترسب في لا وعينا) أنه شاب في الثلاثين أو الأربعين من عمره، مفتول العضلات قام بعمل خارق لا يقوى عليه إلا الجبابرة جسمياً وعقلياً.

ولكن الحقيقة أن هذا البطل هو شخص عادي جداً يميل إلى النحول أشيب الشعر، على مشارف الستين من عمره، إنه الطيار الأمريكي الذي تعطل محركا طائرته بعيد إقلاعها من مطار لاغوارديا في نيويورك قبل أشهر قليلة، فاختار نهر الهدسون ليحط عليه. الأمر الذي أنقذ المسافرين على متن الطائرة من كارثة كانت لتبدو محتمة فيما لو قرر العودة إلى المطار الذي كان قد أصبح بعيداً عنه.

إن رفع هذا الطيار إلى مرتبة الأبطال لا يتضمن مبالغة، ولا هو غير مستحق. بل يكشف عن التحول الكبير الذي طرأ على مفهوم البطولة في العصر الحديث، بعدما غاب السيف عن ميدان المعارك، وحيث لم تعد العضلات تجد مبرراً لتغذيتها إلا في مباريات كمال الأجسام في الأندية الرياضية.

إن البطل اليوم هو شخص عادي جداً، يعيش حياة عادية جداً، ولكنه قادر في لحظة حرجة أن يستنفر كل قواه العقلية وما تيسر له من قوة جسمية (إن تطلب الأمر)، للتصرف بحكمة، ليعود بعدها إنساناً عادياً، تماماً كما فعل هذا الطيار الأمريكي.

ومن الصور الموضحة لمفهوم البطولة في عصرنا، الاستفتاء الذي تجريه شبكة «سي إن إن» التلفزيونية، حيث تدعو مشاهديها إلى اختيار بطل العام من بين عدد من الشخصيات المختلفة، ويكشف التدقيق في منجزات المرشحين أنهم كلهم تقريباً من العاملين في الشأن الاجتماعي مثل: محو الأمية، أو مساعدة المحتاجين، أو التطبيب في الأماكن النائية من البلدان الفقيرة، وما شابه ذلك.



البطل المعاصر

على الرغم من ظهور الأسلحة النارية في القرن السادس عشر، فإن السلاح الأبيض ظل مستعملاً في بعض الحروب حتى بدايات القرن العشرين (الحرب العالمية شهدت معارك عديدة خيضت بالفرسان والخيول والسيوف). ومع ذلك، فإن أبطال السيف اختفوا منذ العصر الوسيط في البلاد العربية، ومنذ عصر النهضة في أوروبا. وإذا لم يكن ظهور السلاح الناري هو من قضى على البطل المحارب، فمما لا شك فيه أنه لا يدعم إحياءه على الإطلاق. فالأسماء اللامعة في الحروب المعاصرة هي أسماء الجنرالات والساسة أصحاب القرار، وليست أبداً أسماء أبطال الميدان الذين قضوا على الكثير من الأعداء. وحتى عندما يقدم الأدب أو السينما أو حتى الاستطلاع الوثائقي صورة بطل ميداني تتوافر فيه كل صفات البطل التقليدي فإننا ننسى اسمه بمجرد خروجنا من صالة السينما أو الفراغ من قراءة قصته.

إن العقلانية التي بدأت تسيطر على نمط التفكير في أوروبا منذ عصر النهضة، وبلغت ذروتها في عصر الثورة الصناعية، غيَّرت مفاهيم كثيرة بتغييرها لحاجات المجتمعات على الصعيد الوجداني.

فالعدو الجديد قد يكون الآلة (كما هو الحال في الطائرة التي تعطلت محركاتها فجأة)، أو قد يكون وضعاً اقتصادياً عاماً، أو قد يكون في عجز فئة اجتماعية كاملة عن الحصول على الطبابة التي تحتاجها، وقد يكون تحدياً علمياً يتطلب قدرات ذهنية غير متوافرة للجميع، ناهيك عن تطلعات الشعوب إلى الارتقاء إلى مستوى شعوب تنعم بأوضاع أفضل.

وقد أسهمت الآداب والفنون (وأحياناً مراكز القرارات السياسية) في صياغة مفاهيم جديدة للبطولة، وتساعدها وسائل الإعلام المتعاظمة نفوذاً، على تعميم هذه المفاهيم وانتزاع الاعتراف العام من المجتمع بصحتها. وهكذا صار هناك أبطال في عوالم الرياضة والسياسة والعلوم والفنون والآداب والعمل الخيري والشرطة والدفاع المدني.. وكلهم أناس عاديون، غالباً ما تتجلى بطولتهم لمرة واحدة في العمر وفي مجال واحد، ليعودوا بعدها بلحظات أناساً عاديين مثلهم مثل غيرهم من أبناء مجتمعهم.




وبقي البطل الخارق

ولكن هذا البطل الحقيقي الذي صارت بطولته تخضع للتدقيق قبل إعلانها، لم يقضِ تماماً على البطل ذي القوى الخارقة المنسوج جزئياً أو كلياً من الخيال، فقد ظل هذا النوع التقليدي من الأبطال حاجة. ولكن واقع الحياة المعاصرة لا يوفر المادة اللازمة لتلبية هذه الحاجة، فهبت الفنون لصناعته.

"سوبرمان" رجل يطير، لا يخترقه الرصاص، يستطيع أن يحمل عمارة، وذو نظر يخترق الجدران، «الرجل الوطواط» رجل يتنكَّر بملابس الوطواط إخفاءً لهويته ليحارب عصابات المجرمين، ومثله «الرجل العنكبوت» وأيضاً الرجل الآلي «غراندايزر»..

كلهم أبطال صاغهم الخيال، للأطفال أولاً، فلقوا القبول نفسه من الكبار. ولا عجب في ذلك، لأن الجريمة ومحاربة المجرمين من أبرز هواجس المجتمعات المعاصرة، وسحق المجرمين الذين يصعب على أدوات العدالة التقليدية القضاء عليهم هو حلم هذه المجتمعات.

هشام عودة

هناك 5 تعليقات:

  1. جزاكم الله خيرا يااخي الكريم

    وامتعنا دوما بمقالاتك الجميله

    ردحذف
  2. السلام عليكم
    ازى حضرتك
    كلام جميل
    بس احب اقول ان البطل الا بتتكلم عليه حاليا انقرد من هذا العالم

    وهو الذكي، الشهم، ليت الزمان يعود يوما
    الصفتان دول معدوش موجودين نهائيا فى الزمن ده

    تحياتى الكبيره

    ردحذف
  3. نحن في حاجه الي ارائكم في رسائل القراء بعد ان دخلت المنطقه الملغومه

    ردحذف
  4. مدونتك مفيدة اوي
    المقال دة جميل
    ذوقك كويس في اختيار المواضيع و المقالات ..
    :)
    مرحبا بي عندك يا شهريار :)

    ردحذف
  5. منور يا امير كعادتك
    بس البطل تحول من الفرد الى المؤسسة

    وبقينا نحلم بنظام رشيد
    وبطلنا نحلم بابطال افراد
    كلهم فى الاول بيبقوا تمتم
    وبعدين يقلبوا الى مستبدين

    فالاولى والاحسن لنا ان نحلم بنظام رشيد

    لك تحياتى وتقديرى

    ردحذف